2011/05/22

أراكم على خير :(


أصدقائي الأعزاء
مرت 6 شهور على افتتاح المدونة
تعرفت بالعديد من الكتاب الكرام
و تجولت بين مدونات عدة


لكن مع أعباء الدراسة
أصبح من الصعب أن استمر منتظمًا في المدونة


سأتغيب لفترة و ربما أكتب بين الحين و الآخر
و سأتابع أعمالكم قدر ما أستطيع


تمنياتي لكم بالتوفيق
و لا تنسونا من دعواتكم


محمد طاهر أمين

في أمان الله

2011/05/12

بيت البحيرة


في أواخر الخريف، تتلاعب نسمات باردة بأوراق الشجر من حولي، و كأنها تغازل البحيرة، التي تستقبل الشتاء كل عام -و أنا كذلك- بملل شديد، كضيف غير مرغوب فيه.. مع أيامه الأولى تهاجر الطيور، ثم تختفي الحيوانات في بيات شتوي، و يغيب البشر بالتدريج، ربما أتى بعضهم في رأس السنة.. لكن الشتاء يبقى باردًا هنا، و ينفث صقيعه سمًا في كل ما حوله..
لكن الشتاء يبقى باردًا هنا، و ينفث صقيعه سمًا في كل ما حوله

معظم المستأجرين من العشاق، شبابًا و شيبةً، أيام جميلة لهذين، ذكرى زواج رائعة، إجازة قصيرة و راحة من الأعمال.. في داخلي سحر خاص، يسترق الأحباب منه جمال أيامهم، و استمد سحري من خيالاتهم، يتوهمون قصصًا عن صاحبي.. هل هو مجرد مهندس، من أين أتى بذلك المكان الشاعري، محظوظة من أهداها ذلك البيت..

لا تتعجبوا من قصتي، ربما كانت لمحًا من الخيال، لكنها حقيقة، عشتها أنا، كما عاشها أصحابها.. لن أبخل عليكم، سأسردها لكم، لكن لا تلمني إن لم تستوعب أن مكانًا كهذا يحتضن أسرارًا غريبة كالتي ستقرأها..

منذ عشرة أعوام، لم يكن يمر بالبحيرة سوى بعضًا من البشر في المنتزه المقابل، في بداية الربيع حيث تتحول ضفاف البحيرة إلى جنة خضراء تسحر كل من يمر بجوارها.. لم أكن هنا بعد، بقيت تلك البقعة المرتفعة، تحجبها الأشجار و كأنها تحتضن كنزًا تخفيه عن أعين البشر الطامعة، تنتظر قلوبًا طاهرة لتشاركها هذا الكنز..

مع تعاقب الخريف و الشتاء، تمر السنين، كبر المنتزه و زاد رواده، مع ذلك احتفظت الأشجار بسرها، حتى ساقت لها الأقدار تلك القلوب الطاهرة التي تبحث عنها.. كانا في متقبل العمر، تغرد طيور الحب من حولهما، نفضت الأشجار عن سرها.. تعلقا بهذا المكان، و تعلق المكان بحبهما، حتى قررا أن يكوِّنا عش الزوجية على تلك التلة النضرة.. هو مهندس، فاستوحى من الطبيعة، بيتًا صغيرًا، مدخله على التلة، و واجهته في أحضان البحيرة، رسم فكرته بقلم رصاص، فكانت أبهى لوحة.. لم تكن هي أقل حظًا منه في مشاركته أفكاره، فلونت لوحته، و رسمت تصاميمه الداخلية.. و هكذا وُلدت أن في أوراقهما..


في أوائل الربيع قمت أنا بين أحضان الأشجار، أطالع البحيرة، بيت خشبي صغير، كجوهرة احتضنتني الطبيعة بين أحضانها، لم تتملل وجودي و لم يؤرقها جبروت البشر عليها..
قررا الزواج، رغم أن البيت لم يكتمل، و نشأت أنا بين قلبيهما
قررا الزواج، رغم أن البيت لم يكتمل، و نشأت أنا بين قلبيهما.. فكنت كالطفل، أرضع من حبهما لأنمو، ازداد كل يوم بهاءً بلمساتهما.. تخيل خشبًا أصبح جزءًا من روحهما، في كل ركن قصة و حكاية، في كل يوم تُزرع ذكرى أخرى في جنباتي، هل تدرك الآن من أين جاء سحري؟؟

تتساءل الآن بخباثة، أين ذهبوا، أين هم هذان العاشقان.. دائمًا ما كانت طبيعتكم -أيها البشر- أن لا تكتفوا من السؤال، حتى و إن لم تعجبكم الإجابة، تفضلون أن ترسموا القصص و الأساطير على أن يبقى السؤال بلا إجابة..

لابد لكل قصة من نهاية.. نهاية قصتهما كانت الفراق.. لم يتحمل جسدها الضعيف سرطان الدم طويلًا، فضلت أن تستسلم لقدرها سريعًا، و لعل هناك حكمة أن تنتهي معاناتها دون أن تترك مزيدًا من الآلام له.. لم يتحمل الفراق، ربما لم يصدقه حتى الآن.. قرر أن يهاجر بعيدًا عن هذا المكان، فلم يكن له هنا سوى الآلام، لم يكن ينوي أن يأجره، فهذا عالمهم الخاص، لكنه رضخ لضغوط الحياة.. و احتفظ لنفسه بيوم واحد في السنة، ذكرى زفافهما، يأتي مرة كل عام، يطالع السماء و النجوم.. يحتضن أوراق البيت، كيف كان الحلم رصاصًا، تلونت اللوحات، ثم ظهرت على الحقيقة، كيف كانت الذكريات تجمعهما.. يوم واحد يعيش من أجله بقية العام..

ألم أقل لك؟؟ لا تتعجب، ربما يكون كلامي أسطورة أو خرافة، لكنك أنت من تبحث عن إجابة لا أنا..


محمد طاهر أمين

2011/05/01

ثمانِ ساعات


هل سمعت عن "حركة الثمانِ الساعات"؟؟ لن أتعجب كثيرًا إذا لم تعرفها، فأنا لم أعرفها إلا قريبًا.. دعني أقص عليك قصة تلك الحركة..

قبل مئتيْ عام، في أوائل القرن التاسع عشر، في عهد الثورة الصناعية في أوربا و أمريكا.. كانت الفجوة تزداد بين الطبقة
الكادحة، عمال المصانع و المناجم تحديدًا، و بين طبقة أصحاب الأعمال و الحكومات.. ظهرت نداءات تطالب بتحسين أوضاع العمال، من بين تحسين ظروف العمل بما يضمن سلامة العمال، و مطلب آخر هو تقنين أوضاع العمال لضمان حقوقهم.. كانت تلك الأفكار هي الأساس الذي قامت عليه النقابات و الاتحادات العمالية في المدن الصناعية، لم تكن ذات قوة مركزية، كلما اجتمع عمال المصانع المتقاربة على عدة مطالب، تقدم متطوعين لتمثيلهم في حوار مع أصحاب المصانع..


8ساعات عمل 8 ساعات استجمام 8 ساعات راحة
 بدأت الفكرة تنتقل بين المدن، تحت مطلب يوم عمل مدته ثمانِ ساعات، ربما تغيرت المطالب و الآراء، لكن جميع الحركات العمالية اتفقت على تقليل ساعات العمل، من 12 أو 16 ساعة يوميًا إلى ثمانِ ساعات، و هو -في ذلك الوقت- يكفي ليضمن راحة العمال، و في نفس الوقت إنتاجٍ كافٍ للمصانع.. مع الوقت، صارت تعرف في الأوساط بــ"حركة الثمانِ ساعات"..

في عصر استبداد أصحاب الأموال و النفوذ و انحياز الحكومات لهم، لم تجد تلك الحركات أي إجابة لها، ربما قامت إضرابات في أماكن مختلفة، لكن كانت تُحتوى إما بالوعود أو بالعنف.. مثلاً، يقلل صاحب المصنع ساعات العمل و يقلل معها الأجر، فيضطر العمال إلى العمل ساعات إضافية بنفس الأجر القديم.. في مكان آخر يدعو البعض للإضراب، أما من دعا فإن مصيره الطرد، أما من فكر في الاستجابة خاف من نفس المصير..

كان الحل الأمثل حينها، هو تجميع تلك الحركات في قوة و تجمع أكبر.. اتحادات العمال، بدأت تتكون في المدن، ثم تجمعت في عدة مقاطعات، ثم تكونت على مستوى البلاد، لتصبح ذات قوة عددية و صاحبة قرار.. بدأت النداءات مرة أخرى من تقنين أوضاع العمال، ربما نجحت في أماكن و لم تنجح في أماكن أكثر، و في معظمها تم تجاهلها و الالتفاف على مطالبها..


أصبحت الثمانِ ساعات مطلب دولي في مختلف مدن العالم.. في أكتوبر 1884م، توصل اتحاد العمال الأمريكي إلى اتفاق بتحقيق هذا المطلب، و وعد بذلك في موعد أقصاه الأول من مايو 1886م.. تمضي الأيام، و لا شيء يتغير، قامت الدعوات من مصانع شيكاغو لإضراب عام في أمريكا، يوم السبت الأول من مايو 1886م.. و اجتاحت الإضرابات أمريكا في ذلك اليوم، دون استجابة أو رد.. في الثالث من مايو، حاصرت الشرطة عمال مصنع في شيكاغو دعوا إلى الإضراب من جديد، و حدثت اشتباكات توفى بسببها اثنان من عمال ذلك المصنع..
مذبحة هاي ماركت
قام إضراب في شيكاغو في اليوم التالي، انتهى بمذبحة "هاي ماركت Haymarket".. في نوفمبر 1887م، أُعدِم أربعة من دعاة الإضراب في ميدان عام، أحدهم هو "August Spies" الذي قال قبل إعدامه " سيأتي الوقت الذي سيصبح فيه صمتنا أقوى من الأصوات التي ستعدموها اليوم"..


في عام 1888م، دعا اتحاد العمال إلى إضرابات جديدة.. في عام 1889م، في مئوية الثورة الفرنسية، دعا العديد في باريس إلى قيام تلك الإضرابات في جميع أنحاء العالم، و تحدد الأول من مايو 1890م ليكون الموعد.. شاركت مختلف الدول في قارات العالم، و كانت الذكرى الأولى ليوم العمال العالمي، و الذي تكررت الإضرابات فيه من كل عام حتى تحققت مطالبهم، و تحتفل به العديد من دول العالم حتى الآن..
منظمة العمل الدولية  International Labour Organization
و كان البذرة الأولى لــ"منظمة العمل الدولية" التابعة للأمم المتحدة، التي تأسست عام 1919م، و نالت جائزة نوبل للسلام عام 1969م..





هل عرفت الآن ما هي حركة الثمانِ ساعات، و كيف تصاعد ذلك المطلب الصغير، ليكوِّن أكبر حركة عمالية مازالت تحمي حقوق العمال في كل مكان.. و أنت اليوم -الأول من مايو- في أجازة بسببها..


محمد طاهر أمين