2011/09/22

هنا القاهرة

أربعة أيام قضيتها في القاهرة، كفترة راحة بين امتحانات الباطنة و فروعها، و بين العودة لجولة أخرى مع طب الأطفال.

البحث عن الراحة ليس سهلاً، جولتي في القاهرة كانت قصيرة هذه المرة، و أشد ما كنت أحتاجه هو راحة العقل، و صدقاً أحدثكم، انعزالي هذه الفترة عن الانترنت و الأخبار بأنواعها، كان من أهم ما ساعدني على ذلك.


لكن هذا لم يمنع توارد بعض الأفكار في ذهني، و لعل قلمي يترجمها لكم في السطور التالية...



Freedom Writers

"كُتّاب الحرية".. الفيلم من إنتاج 2007م.. شاهدته ليلة سفري، لكنه لم يغادر تفكيري بسهولة..

بإيجاز شديد، الفيلم يتحدث عن معلمة شابة تذهب إلى مدرسة متعدد العرقيات و العصبيات، و تحاول من خلال قراءة التجارب و السير الإنسانية أن ترتقي بطلابها من عرقيات مميتة، إلى أشخاص ذو قيمة في المجتمع.

تتسلسل أحداث الفيلم، و كيف تواجه الصعوبات الإدارية، و تضطر إلى عمل إضافي من أجل توفير الكتب لطلابها من مالها الخاص، ثم تبدأ بتشجيعهم على الكتابة الحرة، عن حياتهم و معاناتهم من مجتمع متعصب. الفيلم مقتبس من قصة حقيقية، لمعلمة و طلابها، تحولت مذكراتهم فيما بعد لكتاب يحمل الفيلم عنوانه، و كتجربة إنسانية و تعليمية، أعجبتني جداً، و تستحق التقدير.

في الأحداث الحقيقية، كان أهم كتابين تأثر بهما الطلاب، هما مذكرات لطفلة ماتت في الهولوكوست، و لطفلة أخرى نجت من حصار سراييفو، كمثالين لما يمكن أن تؤدي إليه التعصب ضد عرق معين، و من الكتابين جاءت فكرة تحويل مذكرات الطلاب لكتاب يدون تجربتهم. الملفت في الفيلم، أنه تناول فقط أحداث الهولوكوست و كيف تفاعل الطلاب معهم، صور زيارتهم لأحد متاحف الهولوكوست، و التقوا ناجيين من المذابح النازية.

في الأيام التالية، تسآلت كثيراً، كيف يتم توجيه السينما لخدمة السياسة لدى الغرب، بينما لدينا فالسينما على تعبير إبراهيم عيسى، أصبحت "سينما حمراء". لم نرى إنتاجات توثق المذابح الإسرائيلية، احتلال أفغانستان، حرب العراق، حرب غزة، كل ما لدينا بعض الأفلام الوثائقية التي لا ترقى إلى العالمية في الغالب.

المضحك في هذا الفيلم، هو الترجمة، كانت تترجم "Holocaust" إلى "إبادة جماعية"، و تترجم "Jews - اليهود" إلى "الغرباء"، و كأنهم بهذه الطريقة يمحي القضية من أحداث الفيلم.



لو أن الجدران تنطق!!

 من الصعب أن تكون في القاهرة دون أن تمر بميدان التحرير أو أحد شوارعه الرئيسية.. كنت آمل أن تكون روح الثورة باقية هناك، مازلت أتذكر أيام الميدان كأنها البارحة..

عندما مررت من هناك، لم أجد سوى الجدران هي التي مازالت مرتدية ثوب الثورة.. في كل مكان مررت به في القاهرة، لابد أن تجد كتابات على جدرانها، تحكي الثورة و أيامها.. لعل هذا بعض ما التقطته عينايْ..

27مايو.. ثورة الغضب الثانية / ثورة أبناء مبارك / الفقراء أولاً / مصر ليست أفغانستان أخرى / اعتصام 8يوليو / We Rule Egypt / يسقط حكم العسكر / لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين / ضربونا في أول رمضان في الجامع / و غيرها الكثير..

عندما أتابع مجريات محاكمة قتلة الثوار، و الشهود و الأدلة الهزلية، تصل إلى حد الاستخفاف بعقولنا.. و عندما أمر بميادين القاهرة، أتمنى لو أن الجدران تنطق.. تخيل معي ماذا لو نطق تمثال الفريق عبد المنعم رياض و روى أحداث موقعة الجمل كما رآها.. أو تحدث الشيخ عمر مكرم - جامعاً و تمثالاً - عن الدم الذي اغتسل به.. أو حضر كوبري قصر النيل و أسوده الأربعة للإدلاء بشهادته عن جمعة الغضب.. تخيل فقط لو أن الجدران تنطق..



معاً ضد الألتراس..

 تواجدت في القاهرة الأربعة الأيام السابقة لمباراة النادي الأهلي و نادي الترجي التونسي.. و خلال تلك الفترة فتحت التلفزيون المصري عدة مرات مصادفة.. و أنا كمواطن مصري، أتبرئ منه و من أفكاره.. في ثلاثة مرات كان الحديث عن الألتراس و شغبهم أو غوغائيتهم..

بعد أحداث مباراة كيما أسوان.. تمت مهاجمة الألتراس بشكل متعمد، ثم أتت أحداث السفارة الإسرائيلية و وزارة الداخلية لتزيد الحديث سخونة، تم ربط كل الأحداث بهم، مع أنهم الضحية..

و يستضيف إعلامنا الرشيد، عدة شخصيات - لا أعرفها صراحة - ليناقشوا هذا الموضوع.. يتحدث أحدهم -"و كرشه طالع قدامه"- : هما شباب كويس، بس يبعدوا عن السياسة.. و يقهقه الآخرون، فيما يتحدث آخر بجدية : دول شوهوا صورة الرياضة المصرية.. يتظاهر المذيع بالغضب، و يؤكد : الملاعب بقت ساحة معركة مش للرياضة..

هؤلاء الشباب أكثر وطنية من كثير من هذه الأشكال، هم تواجدوا في الثورة، هم من دافعوا عن أهالي الشهداء، بينما "سحلتهم" الشرطة.. قولوا ما تريدون.. سيبقى الألتراس رمزاً من رموز الرياضة و ملاعبها.. و رمزاً من ثورة مصر..
دخلة الألتراس في مبارة الترجي .. للمطالبة بحرية زملائهم


هذا بعض ما دونه قلمي عن تلك الرحلة.. أتمنى أن تشاركوني آراءكم..

محمد طاهر أمين

2011/09/02

القصيدة الدمشقية - نزار قباني

هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي لسـالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ
و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا
زراعةُ القلبِ تشفي بعضَ من عشقوا وما لقلـبي –إذا أحببـتُ- جـرّاحُ
الا تزال بخير دار فاطمة فالنهد مستنفر و الكحل صبّاح
ان النبيذ هنا نار معطرة فهل عيون نساء الشام أقداح
مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني و للمـآذنِ كالأشجارِ أرواحُ
للياسمـينِ حقـولٌ في منازلنـا وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ
طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنـا فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ
هذا مكانُ "أبي المعتزِّ" منتظرٌ ووجهُ "فائزةٍ" حلوٌ و لمـاحُ
هنا جذوري هنا قلبي هنا لغـتي فكيفَ أوضحُ؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟
كم من دمشقيةٍ باعـت أسـاورَها حتّى أغازلها والشعـرُ مفتـاحُ
أتيتُ يا شجرَ الصفصافِ معتذراً فهل تسامحُ هيفاءٌ ووضّـاحُ؟
خمسونَ عاماً وأجزائي مبعثرةٌ فوقَ المحيطِ وما في الأفقِ مصباحُ
تقاذفتني بحـارٌ لا ضفـافَ لها وطاردتني شيـاطينٌ وأشبـاحُ
أقاتلُ القبحَ في شعري وفي أدبي حتى يفتّـحَ نوّارٌ وقـدّاحُ
ما للعروبـةِ تبدو مثلَ أرملةٍ؟ أليسَ في كتبِ التاريخِ أفراحُ؟
والشعرُ ماذا سيبقى من أصالتهِ؟ إذا تولاهُ نصَّـابٌ ومـدّاحُ؟
وكيفَ نكتبُ والأقفالُ في فمنا؟ وكلُّ ثانيـةٍ يأتيـك سـفّاحُ؟
حملت شعري على ظهري فأتعبني ماذا من الشعرِ يبقى حينَ يرتاحُ؟

2011/08/22

صورة أشعة


عاري الصدر في غرفة مظلمة.. وقف أحمد كما قال له فني المعمل.. يظهر الضوء من خلفه و يرى ظله على اللوحة التي أمامه.. ماهي إلا لحظات و يغمر الغرفة نور قادم من بابها.. يأتيه الفني و معه والدته.. ليرتدي ملابسه و يغادر..

سأل أمه - ببراءة طفولية - : "هو أنا كده خفيت؟؟"..

تبسمت ضاحكةً : "لسه هناخد الأشعة و نوريها للدكتور.. و يكتبلك الدوا عشان تخف"..

تأمل أحمد تلك الصورة مبهورًا و هي على مصباح الطبيب.. كيف تلك الورقة السوداء بأطيافها الخافتة.. تحولت لصورة لعظام ترسم قفصه الصدري.. لم تدم تلك اللحظات طويلاً.. فسرعان ما أعادها الطبيب لأمه.. و طمأنها : "مش هيحتاج مضاد حيوي.. يستمر على خافض الحرارة و دوا الكحة.. و هيخف في أسبوع إن شاء الله"..

طوال طريق العودة لم يفلت أحمد الصورة من يده.. يتأملها في مختلف أضواء المحلات و الشوارع.. و يسعد بتلونها بألوان الشارع.. شرح له والده.. كيف أن تلك العظام هي ما تحوي - و تحمي - القلب و الرئتين.. و تلك الكتلة البيضاء في المنتصف هي قلبه.. لم يتخيل أنه من الممكن رؤية تلك العظام بدون أن تكون خارج الإنسان.. كما تعود أن يراها في أفلام "الكارتون"..

بعد عدة أشهر.. ذهب أحمد مرة أخرى لمركز الأشعة.. لكن هذه المرة برفقة أبيه و جده.. يعاني جده في الشهر الأخير من صعوبة بالتنفس.. كما أنه يسعل أحياناً بعض الدماء.. لم يسمح له والده باللعب بالصورة حتى يراها الطبيب أولاً..

في البيت.. تأمل أحمد الصورتين معاً.. كيف قرر الطبيب أنه لا يحتاج لعلاج.. بينما جده يعاني من مرض خطير.. و يتوجب عليه العلاج في المستشفى.. و كذلك إجراء فحوصات أخرى.. هو يرى نفس العظام في الصورتين.. نفس العدد.. نفس الترتيب.. مساحات بيضاء هنا و هناك.. لماذا لا يكتفي جده بذاك الدواء المر..

تمضي الشهور.. و يدرك أن جده يحتضر بسبب سرطان الرئة.. الذي أصبح علاجه صعباً الآن.. كم سمع الدعوات من العائلة ترجو الله الشفاء و أن يخفف عنه آلام المرض..

و مازال هو يتساءل.. كيف تتشابه الصور و تختلف الأمراض؟؟



هي صورة على فيلم أسود
و ليها بين الأبيض و الأسود
ألوان.. على الأمراض تفتن
و على شكلها الدكتور اتعود



محمد طاهر أمين

2011/07/29

هل هلاله


كل عام و أنتم بخير

في أيام قليلة
نستقبل شهر رمضان الكريم
أعاده الله عليكم أعوامًا عديدة

و كان لابد من التهنئة
كم أشتقت لمدونتي
و لكم أصدقائي الأعزاء
عل لي عودة قريبة

اغتنموا موسم رمضان
فهو باب للخيرات و البركات
اسئلوا الله من فضله
اسألوا الله أن يسلم مصر من الشرور كلها
اسألوا الله الخير لأنفسكم و للبشر أجمعين

و لا تنسوني من دعواتكم
ما زال مشواري طويلاً في الامتحانات
^_^


تحياتي لكم

محمد طاهر أمين

2011/07/02

رباعيات



يضـيـع الـوقـت مـنـي.. و أضــيع أنا فـيه
و أفضل في مكاني.. مش عارف مستني إيه
تعدي الساعة و أسـال نفسي في كـل ساعة
يـا سـاعـتي.. الزمـن منـك بـيجـري ليه




قاللي مالك.. هو انت كرهت البشر
قلتله لا أبداً.. ده انت اللي حشر
أضحك، أبكي.. أو حتى أصرخ
خلاص كله بين الضلوع.. انحشر




يسألوني مالك.. تهت ليه وسط أفكارك
دي الشمس واضحة.. حتى في ضبابك
مهما طـال الـطريق..  ده لـه نهــاية
يللا مد في خطوتك.. و متكدبش احساسك



محمد طاهر أمين

2011/05/22

أراكم على خير :(


أصدقائي الأعزاء
مرت 6 شهور على افتتاح المدونة
تعرفت بالعديد من الكتاب الكرام
و تجولت بين مدونات عدة


لكن مع أعباء الدراسة
أصبح من الصعب أن استمر منتظمًا في المدونة


سأتغيب لفترة و ربما أكتب بين الحين و الآخر
و سأتابع أعمالكم قدر ما أستطيع


تمنياتي لكم بالتوفيق
و لا تنسونا من دعواتكم


محمد طاهر أمين

في أمان الله

2011/05/12

بيت البحيرة


في أواخر الخريف، تتلاعب نسمات باردة بأوراق الشجر من حولي، و كأنها تغازل البحيرة، التي تستقبل الشتاء كل عام -و أنا كذلك- بملل شديد، كضيف غير مرغوب فيه.. مع أيامه الأولى تهاجر الطيور، ثم تختفي الحيوانات في بيات شتوي، و يغيب البشر بالتدريج، ربما أتى بعضهم في رأس السنة.. لكن الشتاء يبقى باردًا هنا، و ينفث صقيعه سمًا في كل ما حوله..
لكن الشتاء يبقى باردًا هنا، و ينفث صقيعه سمًا في كل ما حوله

معظم المستأجرين من العشاق، شبابًا و شيبةً، أيام جميلة لهذين، ذكرى زواج رائعة، إجازة قصيرة و راحة من الأعمال.. في داخلي سحر خاص، يسترق الأحباب منه جمال أيامهم، و استمد سحري من خيالاتهم، يتوهمون قصصًا عن صاحبي.. هل هو مجرد مهندس، من أين أتى بذلك المكان الشاعري، محظوظة من أهداها ذلك البيت..

لا تتعجبوا من قصتي، ربما كانت لمحًا من الخيال، لكنها حقيقة، عشتها أنا، كما عاشها أصحابها.. لن أبخل عليكم، سأسردها لكم، لكن لا تلمني إن لم تستوعب أن مكانًا كهذا يحتضن أسرارًا غريبة كالتي ستقرأها..

منذ عشرة أعوام، لم يكن يمر بالبحيرة سوى بعضًا من البشر في المنتزه المقابل، في بداية الربيع حيث تتحول ضفاف البحيرة إلى جنة خضراء تسحر كل من يمر بجوارها.. لم أكن هنا بعد، بقيت تلك البقعة المرتفعة، تحجبها الأشجار و كأنها تحتضن كنزًا تخفيه عن أعين البشر الطامعة، تنتظر قلوبًا طاهرة لتشاركها هذا الكنز..

مع تعاقب الخريف و الشتاء، تمر السنين، كبر المنتزه و زاد رواده، مع ذلك احتفظت الأشجار بسرها، حتى ساقت لها الأقدار تلك القلوب الطاهرة التي تبحث عنها.. كانا في متقبل العمر، تغرد طيور الحب من حولهما، نفضت الأشجار عن سرها.. تعلقا بهذا المكان، و تعلق المكان بحبهما، حتى قررا أن يكوِّنا عش الزوجية على تلك التلة النضرة.. هو مهندس، فاستوحى من الطبيعة، بيتًا صغيرًا، مدخله على التلة، و واجهته في أحضان البحيرة، رسم فكرته بقلم رصاص، فكانت أبهى لوحة.. لم تكن هي أقل حظًا منه في مشاركته أفكاره، فلونت لوحته، و رسمت تصاميمه الداخلية.. و هكذا وُلدت أن في أوراقهما..


في أوائل الربيع قمت أنا بين أحضان الأشجار، أطالع البحيرة، بيت خشبي صغير، كجوهرة احتضنتني الطبيعة بين أحضانها، لم تتملل وجودي و لم يؤرقها جبروت البشر عليها..
قررا الزواج، رغم أن البيت لم يكتمل، و نشأت أنا بين قلبيهما
قررا الزواج، رغم أن البيت لم يكتمل، و نشأت أنا بين قلبيهما.. فكنت كالطفل، أرضع من حبهما لأنمو، ازداد كل يوم بهاءً بلمساتهما.. تخيل خشبًا أصبح جزءًا من روحهما، في كل ركن قصة و حكاية، في كل يوم تُزرع ذكرى أخرى في جنباتي، هل تدرك الآن من أين جاء سحري؟؟

تتساءل الآن بخباثة، أين ذهبوا، أين هم هذان العاشقان.. دائمًا ما كانت طبيعتكم -أيها البشر- أن لا تكتفوا من السؤال، حتى و إن لم تعجبكم الإجابة، تفضلون أن ترسموا القصص و الأساطير على أن يبقى السؤال بلا إجابة..

لابد لكل قصة من نهاية.. نهاية قصتهما كانت الفراق.. لم يتحمل جسدها الضعيف سرطان الدم طويلًا، فضلت أن تستسلم لقدرها سريعًا، و لعل هناك حكمة أن تنتهي معاناتها دون أن تترك مزيدًا من الآلام له.. لم يتحمل الفراق، ربما لم يصدقه حتى الآن.. قرر أن يهاجر بعيدًا عن هذا المكان، فلم يكن له هنا سوى الآلام، لم يكن ينوي أن يأجره، فهذا عالمهم الخاص، لكنه رضخ لضغوط الحياة.. و احتفظ لنفسه بيوم واحد في السنة، ذكرى زفافهما، يأتي مرة كل عام، يطالع السماء و النجوم.. يحتضن أوراق البيت، كيف كان الحلم رصاصًا، تلونت اللوحات، ثم ظهرت على الحقيقة، كيف كانت الذكريات تجمعهما.. يوم واحد يعيش من أجله بقية العام..

ألم أقل لك؟؟ لا تتعجب، ربما يكون كلامي أسطورة أو خرافة، لكنك أنت من تبحث عن إجابة لا أنا..


محمد طاهر أمين

2011/05/01

ثمانِ ساعات


هل سمعت عن "حركة الثمانِ الساعات"؟؟ لن أتعجب كثيرًا إذا لم تعرفها، فأنا لم أعرفها إلا قريبًا.. دعني أقص عليك قصة تلك الحركة..

قبل مئتيْ عام، في أوائل القرن التاسع عشر، في عهد الثورة الصناعية في أوربا و أمريكا.. كانت الفجوة تزداد بين الطبقة
الكادحة، عمال المصانع و المناجم تحديدًا، و بين طبقة أصحاب الأعمال و الحكومات.. ظهرت نداءات تطالب بتحسين أوضاع العمال، من بين تحسين ظروف العمل بما يضمن سلامة العمال، و مطلب آخر هو تقنين أوضاع العمال لضمان حقوقهم.. كانت تلك الأفكار هي الأساس الذي قامت عليه النقابات و الاتحادات العمالية في المدن الصناعية، لم تكن ذات قوة مركزية، كلما اجتمع عمال المصانع المتقاربة على عدة مطالب، تقدم متطوعين لتمثيلهم في حوار مع أصحاب المصانع..


8ساعات عمل 8 ساعات استجمام 8 ساعات راحة
 بدأت الفكرة تنتقل بين المدن، تحت مطلب يوم عمل مدته ثمانِ ساعات، ربما تغيرت المطالب و الآراء، لكن جميع الحركات العمالية اتفقت على تقليل ساعات العمل، من 12 أو 16 ساعة يوميًا إلى ثمانِ ساعات، و هو -في ذلك الوقت- يكفي ليضمن راحة العمال، و في نفس الوقت إنتاجٍ كافٍ للمصانع.. مع الوقت، صارت تعرف في الأوساط بــ"حركة الثمانِ ساعات"..

في عصر استبداد أصحاب الأموال و النفوذ و انحياز الحكومات لهم، لم تجد تلك الحركات أي إجابة لها، ربما قامت إضرابات في أماكن مختلفة، لكن كانت تُحتوى إما بالوعود أو بالعنف.. مثلاً، يقلل صاحب المصنع ساعات العمل و يقلل معها الأجر، فيضطر العمال إلى العمل ساعات إضافية بنفس الأجر القديم.. في مكان آخر يدعو البعض للإضراب، أما من دعا فإن مصيره الطرد، أما من فكر في الاستجابة خاف من نفس المصير..

كان الحل الأمثل حينها، هو تجميع تلك الحركات في قوة و تجمع أكبر.. اتحادات العمال، بدأت تتكون في المدن، ثم تجمعت في عدة مقاطعات، ثم تكونت على مستوى البلاد، لتصبح ذات قوة عددية و صاحبة قرار.. بدأت النداءات مرة أخرى من تقنين أوضاع العمال، ربما نجحت في أماكن و لم تنجح في أماكن أكثر، و في معظمها تم تجاهلها و الالتفاف على مطالبها..


أصبحت الثمانِ ساعات مطلب دولي في مختلف مدن العالم.. في أكتوبر 1884م، توصل اتحاد العمال الأمريكي إلى اتفاق بتحقيق هذا المطلب، و وعد بذلك في موعد أقصاه الأول من مايو 1886م.. تمضي الأيام، و لا شيء يتغير، قامت الدعوات من مصانع شيكاغو لإضراب عام في أمريكا، يوم السبت الأول من مايو 1886م.. و اجتاحت الإضرابات أمريكا في ذلك اليوم، دون استجابة أو رد.. في الثالث من مايو، حاصرت الشرطة عمال مصنع في شيكاغو دعوا إلى الإضراب من جديد، و حدثت اشتباكات توفى بسببها اثنان من عمال ذلك المصنع..
مذبحة هاي ماركت
قام إضراب في شيكاغو في اليوم التالي، انتهى بمذبحة "هاي ماركت Haymarket".. في نوفمبر 1887م، أُعدِم أربعة من دعاة الإضراب في ميدان عام، أحدهم هو "August Spies" الذي قال قبل إعدامه " سيأتي الوقت الذي سيصبح فيه صمتنا أقوى من الأصوات التي ستعدموها اليوم"..


في عام 1888م، دعا اتحاد العمال إلى إضرابات جديدة.. في عام 1889م، في مئوية الثورة الفرنسية، دعا العديد في باريس إلى قيام تلك الإضرابات في جميع أنحاء العالم، و تحدد الأول من مايو 1890م ليكون الموعد.. شاركت مختلف الدول في قارات العالم، و كانت الذكرى الأولى ليوم العمال العالمي، و الذي تكررت الإضرابات فيه من كل عام حتى تحققت مطالبهم، و تحتفل به العديد من دول العالم حتى الآن..
منظمة العمل الدولية  International Labour Organization
و كان البذرة الأولى لــ"منظمة العمل الدولية" التابعة للأمم المتحدة، التي تأسست عام 1919م، و نالت جائزة نوبل للسلام عام 1969م..





هل عرفت الآن ما هي حركة الثمانِ ساعات، و كيف تصاعد ذلك المطلب الصغير، ليكوِّن أكبر حركة عمالية مازالت تحمي حقوق العمال في كل مكان.. و أنت اليوم -الأول من مايو- في أجازة بسببها..


محمد طاهر أمين

2011/04/27

بوست إستثنائي.. تاج الثورة


هو استثنائي.. ليس فقط لأن هذا البوست أكتبه مستبقًا النظام الخاص بالمدونة..

فهذا التاج أول تاج يمرر لي.. و أكثر من ذلك أنه متعلق بثورتنا البيضاء..


أشكر شيرين سامي (حدوتة مصرية).. على تمرير التاج.. و شهادة حق.. هي صاحبة مستوى رائع في القصص القصيرة.. و هو المجال الذي أهتم به حاليًا.. فـتحية خاصةً لها..

من المفترض أن تكون إجاباتي دبلوماسية أو عامة.. أنا أحترم كل من شارك في الثورة أو ساهم فيها.. لكني سأجاوب بـمن هم أقرب إلى قلبي.. 


ﻫﻞ ﺗﻮﻗﻌﺖ ﺛﻮﺭﺓ 25 ﻳﻨﺎﻳﺮ؟ 

صراحة.. أنا لم أتوقعها أبدًا.. ربما توقعت نوع من الغضب الشعبي عندما تورث الرئاسة.. لكني شعرت بأن التغيير قريب بعد هروب بن علي من تونس.. شعرت بسعادة من نوع غريب.. مع أني لم أكن متابعًا لثورة الياسمين.. 


هل كنت من ثوار ميدان (التحرير - الكنبة - الكمبيوتر - حدد الميدان الآخر الخاص بك)؟ 

أنا من أسيوط.. و المظاهرات لم تكن بالقوة نفسها.. كما أن موضوع النزول كان خط أحمر للنقاش داخل المنزل.. لكن بعد موقعة الجمل بالتحديد.. اقتنعنا جميعًا بضرورة المشاركة..
كما أني سافرت خصيصًا للمشاركة في ميدان التحرير.. في آخر 3 أيام من الثورة.. أبهج أيام الثورة  :)


ما لم تنجح الثورة في تحقيقه هو؟ 

أنا أرى أن الثورة لم تنتهي بعد.. انتهى الجزء الأول منها بسقوط النظام.. و آخر فصل فيها هو محاكمة النظام السابق..
أما الجزء الثاني.. و هو بناء وطن يليق بشعب مصر.. و هذا هو الصراع الأكبر.. فـفئات الشعب تائهة.. بين جهل سياسي و استغلال للوطنية و الدين في السياسة.. و علو المطالب الفئوية..
فــالصبر و الدعاء.. هو كلمة السر في هذه الفترة.. 


أكثر شىء فرحك في هذه الثورة هو؟ 

انهيار جدار الصمت.. كلمات بسيطة.. لكن معانيها كثيرة..
أيضًا.. انسحاب السلبية و التشاؤم من قلوبنا نحن الشباب خاصةً..
و أيضًا.. يقيني بــأن مصر لن تعود للوراء أبدًا..


الشخصية التي أعجبتك خلال الثورة؟ 

إسراء عبد الفتاح.. محمد البرادعي.. محمد سليم العوا.. خالد أبو النجا.. علاء الأسواني.. خالد يوسف..
و ذلك لثبات موقفهم.. و ظهورهم بشكل لم أكن أتوقع من بعضهم أن يخاطر بحياته من أجل قضية شعب..
 



الشخصية التي احتقرتها بسبب الثورة؟ 

تامر أمين.. مرتضى منصور.. عبداللطيف الميناوي.. إبراهيم حسن.. طلعت زكريا..
ده غير الشخصيات.. اللي محتقرها من زمان طبعًا..


أطرف ما سمعته خلال الثورة؟ 

"فات الميعاد.. و بقينا بعاد"

"Mubarak is Malignant Tumor.. Must Be Excised"
من مظاهرة طلبة كلية الطب  :) .. "مبارك ورم خبيث.. و لابد من استئصاله" 


القناة التي تابعت من خلالها أحداث الثورة هي؟ 

الجزيرة.. BBC.. CNN.. المصرية أحيانًا.. 


ﺍﻟﺠﺮﻳﺪﺓ ﺍﻟﺘﻰ ﻛﻨﺖ ﺗﻘﺮﺃﻫﺎ ﻟﺘﺘﺎﺑﻊ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ هي؟ 

لست من متابعي الصحف.. لكني كنت أتابع موقع الدستور الأصلي.. و شبكة رصد.. لتوفر التغطية المباشرة.. 


ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ ﺍﻟﻤﻔﻀﻞ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻫﻮ؟ 

بلال فضل.. أحمد خالد توفيق.. و قرأت لكتاب كثير في هذه الفترة و بعدها..
بـمناسبة هذا السؤال.. أدعوكم لـقراءة أكثر مقال أثر في..
أزهى عصور المولوتوف - بلال فضل 


ﺍﻟﻤﺬﻳﻊ أﻭ ﺍﻟﻤﺬﻳﻌﺔ ﺍﻟﻤﻔﻀﻞ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ؟ 

منى الشاذلي..
حافظ الميرازي.. و حزنت كثيرًا لتعنت قناة العربية تجاهه.. و أتمنى أن تكون شائعة توليه تقديم برنامج "مصر النهارده" صحيحة.. 


ﻛﻠﻤﺔ ﺗﻘﻮﻟﻬﺎ ﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﻭ مصابي 25 ﻳﻨﺎﻳﺮ؟

بـــلادٌ مـــاتَ فِـتْـيَـتُهــا لِتحْيـا      وزالــوا دونَ قــومِهمُ ليبقُــوا 

بالمناسبة.. البيت ده كثر ترديده أثناء الثورة.. هو بيت من قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي.. و اسمها.. "نكبة دمشق".. أدعو الله أن ينصر في معاناتهم.. 


متقولش إيه إدتنا مصر وقول حـندي إيه لمصر.. عندك حاجة تديها لمصر؟ 

أتمنى أن أكون طبيب ناجح.. أساعد في شفاء أمراض عانى منها الوطن.. نتيجة لتراكمات الفساد بكل أشكاله..
أتمنى أن أكون جزء في منظومة.. تساعد المصري على تجاوز مرضه.. لا أن تزيد من مشاكله..


ﻣﻦ ﺳﺘﺮﺷﺢ ﻟﺮﺋﺎﺳﺔ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻳﺔ؟ ﻭ ﻟﻤﺎﺫﺍ؟ 

حتى الآن لم أجد المرشح المناسب لتصوري.. كما أني لم أحدد بعد المميزات التي أريدها.. 


ﻟﻮ أﺻﺒﺤﺖ رئيسًا ﻟﻠﺠﻤﻬﻮﺭﻳﺔ ﻣﺎ أﻭﻝ ﺛﻼﺙ ﻗﺮﺍﺭﺍﺕ ﻟﻚ؟ 

تنفيذ ثلاثة مشاريع.. كما قالها إبراهيم عيسى..
مشروع البرادعي السياسي..
مشروع زويل العلمي..
مشروع الباز التنموي..


 ﻟﻮ أﻋﻄﻮﻙ ﻧﺼﻴﺒﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﺮﻭﻗﺔ... ﻣﺎ ﺗﻮﻗﻌﻚ أﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻧﺼﻴﺒﻚ؟ ﻭ ﻣﺎﺫﺍ ﺗﻔﻌﻞ ﺑﻬﺎ؟ 

لست مهتمًا بنصيبي.. أو حتى بعودة كل الأموال المنهوبة..
أنا الآن متأكد أن كل نقطة عرق مصرية.. سـتعود على الوطن بالنفع و الاعمار..


محمد طاهر أمين

2011/04/22

قصة حبنا


قالت لي حبيبتي، كما غرسنا شجرة الحب في قلبينا، دعني أنزعها في سلام، لم تمهلنا الحياة لوقت الحصاد، لكنها سمحت لنا بوقفة وداع...

حبيبتي لا تخافي، أنا معك مهما قسى الزمان، سأبني حصناً لكي في قلبي، ستكونين الأميرة تتباهى بفارسها، دعينا نخوض الطريق لنهايته، لتكتمل قصة حبنا...

تلك قصة أبى القمر أن يترك لياليها، و تراقصت زهور الربيع في نهارها، و تلألأت الشمس على صفحة نهرها، و صفت السماء من غيومها و كدرها...

حبيبي كلانا انخدعنا، ذاك هدوء سبق عاصفة الفراق، دعنا نفترق هنا، فما أضعف قلبي على الأشواق، قد خارت قواي هاهنا، إن أبيت الفراق فلتكمل المسير، و لكن بدوني...و لا تنتظرني......

فقد قلبي كل معاني الحياة، رسم لوحة حزن أبكت البدر في تمامه، غزل كفناً حجب الشمس عن زهور الياسمين، تغنى بقصيدة فراق أطربت الأرامل و أضجرت العذارى...

وصف الحكيم لقلبي الدواء، يا بني لك في البعد شفاء، و بالصبر مشكاة تنير درب الفراق... إن البعد عن الإخلاء عذاب، فكيف بنزع الأحباب من الدماء؟؟؟

عجبت قارئة الفنجان من فنجاني، و رسمت لي درب مظلم، بسطت في نهايته مقبرة، يا ولدي رافق سلفك من العشاق، في طريق الفراق... هؤلاء دفنوا قلوبهم و اختاروا الفراق، فكيف أنزع القلب من يديها؟؟؟

حبيبتي... أرأيتي كيف انفطر قلبي لفراقك، هذا الحب الذي زرعته في قلبي، كيف تتركيه بدون أن تسقيه من نبع حنانك؟؟؟
سينبض قلبي باسمك، سأرى عينيك في مرآتي، سأستنشق عطرك مع تفتح زهور الربيع...
سأنتظرك مهما طال الزمان، لأني أعلم أنك ستعودين، فلا تتركي القلب حزيناً في صدري، يأبى الفراق و يأبى الممات...


محمد طاهر أمين
خاطرة قديمة.. حتى يعود للقلم نبض

2011/04/12

أزلت قناعي


عشت أعوامًا .. أرسم هذا القناع 
لم أصنعه يومًا .. لأساليب الخداع
بل كان درعًا .. ضد أحزان و وداع
و ها هو يقودني .. في درب الضياع

حكايتي مع القناع .. بدأت بالابتسام 
من بهجة و ربيع .. إلى هم و ظلام
و حب تطاير في السماء .. كأسراب الحمام
أنكرت هجرانه .. و صار الحزن في كل الكلام

نظرت يومًا في مرآتي .. فلم أعرف علاماتي 
أزلت قناعي .. و تعجبت من بقايا همساتي
نادت من خلفه حزينة .. أين تاهت ابتساماتي
أين صارت أحلامي .. و من الذي رسم آهاتي

عذرًا قناعي .. فقد قتلتني همًا 
و أنا من صنعتك .. لتدفع عني غمًا
فغرزت أشواكًا في قلبي .. و أسلت دمًا
فاليوم أنزعك و أنسى .. أن قد حقنتني سمًا



محمد طاهر أمين


2011/04/02

الصحة تاج؟؟

عُلِّمنا مثلاً قديماً و نحن صغار في الابتدائية.. "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى".. و لا أذكر أول مرة، و لا من قال لي إضافةً إلى ذلك المثل، كما أنها لم تكن المرة الأخيرة.. "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى... و الأطباء"..

منذ عامي الأول في الكلية، تتردد على مسامعي عن أهمية مهنتنا "المستقبلية"، و عن دورنا المميز في المجتمع.. لكني لم ألمس ذلك سوى هذا العام، بداية المرحلة "الإكلنيكية".. التجول في أروقة المستشفى لوحده فقط، كافٍ لتعلم كيف وصل الحال بصحة شعب مصر الكريم..

رغم أن معظم مرضى المستشفى الجامعي من الحالات أصحاب الأمراض المزمنة، لكن سؤالاً طالما تبادر إلى ذهني، كيف وصلت أوضاع هؤلاء المرضى إلى هذا الحال، فكثير منهم بانتظار علاج مجاني أو عملية جراحية، أو البعض الآخر بانتظار الموت فقط..

و من هنا كانت طريقة تعلُّمنا للطب، كيف تحدد شدة المرض، و ما السبل المتاحة لك للعلاج.. بتلك الطريقة تحولنا من "أطباء" إلى "معالجين" فقط، و هذا أحد أهم الأسباب في تزايد المشكلات الصحية في مجتمعنا..

الطب لا يشمل فقط التشخيص و العلاج، لكنه يشمل جانباً أكبر من ذلك و أهم.. "درهم وقاية خير من قنطار علاج".. هذا مثل آخر، لم يرى طريقاً للنور خارج الكتب، الوقاية هي أقوى سلاحٍ لمكافحة المرض..

مرضانا بحاجة للعلاج، و بحاجة لنظام تأمين صحيٍّ أفضل.. لكن ماذا عن الأصحاء، فأنت لا تعالج مريضاً من أجل أن تستبدله بغيره أو أكثر.. ربما بدأ هذا التوجه في التعليم الطبي، و بعض برامج وزارة الصحة، كالكشف المبكر عن سرطان الثدي، و عيادة السكر لرصد مضاعفات المرض مبكراً.. لكن هذا غير كافٍ، لابد أن يتبنى المجتمع بأكمله هذه القضية، فليس عدلاً أن تتعالى الحناجر متهمةً الأطباء و شركات الأدوية بالجشع، فأنت بنفسك خلقت الأرض الخصبة لنمو تلك الفئات الطامعة، حتى في أغلى ما بملكه الإنسان..

بلدنا مثقل بكثير من الهموم و المشاكل، لكننا الآن في مثلث "التخلف"، مثلث الفقر و الجهل و المرض.. لابد أن تبدأ نهضتنا من رؤوس ذلك المثلث، و كل رأس فيه يؤثر و يتأثر بالآخريْن.. فالمريض يحتاج المال "الدواء" و العلم "المؤسسة الطبية" ليتعالج، لكن كما ذكرنا العلاج ليس هو الحل، الوقاية هي الأهم للمستقبل..

كبداية.. من الممكن أن نبدأ الوقاية بالعلم، و ذلك عن طريق توعية المجتمع بأهمية الصحة.. لابد لكل شخص من - صحيح أو مريض - أن يتعلم متى يبحث عن طبيب، في أي تخصص تكون شكواه، كيف يقي نفسه شر الأمراض المزمنة، كيف يتصرف في الحالات الطارئة.. و لابد أن نفهم أيضاً، أن صحتك جزءٌ من صحة المجتمع، و صحة المجتمع جزءٌ من صحتك.. فلا تتصرف بما يضر صحتي، و لا تتباطئ عندما ترى من يضر بالناس أو يضر بنفسه..

مسؤولية ذلك ليست على الأطباء فقط، الوقاية سلوك لابد أن يكون جزءاً من حياتنا اليومية.. سنصل إلى ذلك عندما تصبح الصحة "تاجاً" يراه المريض و الطبيب... و الصحيح..

      فهل تفتح عينيك و ترى ذلك التاج؟؟


محمد طاهر أمين
الفرقة الخامسة

==================================
 زواري الكرام..
أود أن أطرح معكم فكرة هذا المقال للنقاش معكم.. بانتظار آرائكم.. محمد.. 

2011/03/22

لحظة خاصة


رغم برودة الجو في أيام الشتاء الأخيرة، كان يتعرق بشدة، فقد تملك الخوف و القلق منه. قاد سيارته مسرعاً، زوجته في المقعد الخلفي، و أمه بجوارها، تدعي الله أن يخفف عنهم.

كان حملها في شهره الثامن، و رغم استعدادهم لاستقبال فرد جديد في أسرتهم، تبقى التجربة الأولى الأكثر رعباً. وصلوا إلى المستشفى قبل الفجر بقليل، ليعيشوا ساعتين ما بين صراخ و دعاء و رعب الانتظار.

انقطعت جميع الأصوات في أذنيه، عدا صوت بدأ يتصاعد و يعلو، و لم تكذبه عيناه، ها هي طفلته الصغيرة بين يديه، بكاؤها أعذب لحن سمعه، جسدها الصغير أغلى ما حملت يداه، تُمسك إصبعه الأصغر بكامل يدها، لتلتحم الروح بالجسد.

قبلتها جدتها على رأسها، و حملتها إلى أمها. كان التعب يبدو في وجهها، لكن ما إن عانقت طفلتها، حتى ضحكت و أدمعت عيناها. أسعده تجمعهن معاً، و أدرك كيف أن لحياته معنىً بهم، كيف أن الأم و الزوجة و الابنة هُنّ سنده في الحياة.


 محمد طاهر أمين  

 ==================================
هذه القصة مهداة إلى كل أنثى بمناسبة عيد الأم
فهو يوم نتذكر فيه خصلة الحنان فيهن
فما الأمومة إلا تجلي لهذه الخصلة
تحية إلى كل أم و أخت و زوجة و ابنة و صديقة و حبيبة  


طفلنا لم يكن ثالثنا في البيت ... بل كنا كلانا فيه معاً
بهاء طاهر

2011/03/12

"الكدب مالوش رجلين"


كان البدر مطلاً على الطريق، كمصباح يتيم، تتراقص تحته ظلال الأشجار. كانت سيارته رفيقته الوحيدة، يعتني بها و تعتني به. مثل هذا الهدوء، هو نشوتهما الوحيدة، يحب أن يسمع صوت محركها يتضاخم في هذا الفراغ، متعته الوحيدة و هو يرى سرعته تتزايد، حتى أنه يتخيل أنه لم يعد يسير على هذه الأرض. 

وجبة غذاء من الجدة الحنونة، و أحاديث مملة – كما تراها – دفعت الجميع للرحيل أو النوم، لكن طفلة في الرابعة من عمرها لم تنم بعد، تسللت من سريرها كنسمة صيف خفيفة، و كما يبحث النحل عن الرحيق، بحثت حتى وجدت متعتها الوحيدة مخبئة في ذلك المكتب العتيق.  

لم يجد الطبيب مراجعة ملفات المرضى شيئاً صعباً، فتلك الليلة هادئة تماماً، عدا ذلك المريض الذي حاول الانتحار، دائماً ما تعجب كيف يُمكن لإنسان أن يُقدم على ذلك. تعالت صافرة سيارة الإسعاف، منذرةً عن مريض جديد، و مهمة جديدة. "حادثة عربية عالطريق الزراعي" صاح المسعف مستنجداً بالطبيب. أمسك يده لتحسس النبض، قبض الشاب على يده، و نظر إليه الطبيب يخبره أن لا يخاف. 

في ركن الغرفة الهادئ، حيث اعتادت قراءة الجرائد و كتبها المختلفة في مقعدها الكبير، تحت المصباح الذي ورثته من أبيها، نظرت الجدة لحفيدتها بعمق، و هي تتعجب كيف ورثت عن أمها جمال و براءة عينيها. "مش أنا" أجابت على سؤال جدتها بخجل. لم تكن جدتها لتسمح بأن تكذب من أجل قطعة "شيكولاتة"، فما كان منها إلا أن أمسكت أذنها لتعاقبها، مع أن هذا آلم كلتاهما. 

أمسكت يده و عينيها تملؤها دموع متساقطة، يومان و هو غائب عن الوعي، و قلبها ينفطر في كل دقيقة ألف مرة، لم تغادره منذ جاءت إلى المستشفى. حدثته كيف هو كل حياتها، فقد آمنت يقيناً بأنه يسمعها، "يا رب ، ابني يا رب، أنت الشافي و الرحيم"، شعرت بيده تقبض على يدها مع كل دعاء، و كأنه يدعي معها. 

مسكت أذنها في ألم و غضب، و توجهت إلى أمها باكيةً، و الكلمات تخرج متقطعة بين بكاء و صراخ. ضمتها إليها بحنان، و قبلت أذنها المتألمة. هدأت و ضحكت، و لم تعرف هل ذهب الألم حقاً، أم أن هناك سحر خاص تمتلكه والدتها. 

اختارت والدته الإسكندرية، لهدوئها في هذا الوقت من العام، لقضاء فترة نقاهة قصيرة. رغم خسارته الكبيرة، أصر على أن يرى مكان الحادث و يرى سيارته، أو ما بقي من معالمها. كانت الإسكندرية تودع خريف هادئ، و رياح شتاء بارد تلوح من خلف الأمواج. كان البحر رفيق هامس، يحكي له كيف كانت حياته، و كيف تغيرت للأبد. رد البحر في تعجب، لِمَ يفكر في حياته فقط، لِمَ لا يفكر في أمه التي انفطر قلبها، في أصدقائه – الحقيقيين – الذين رابطوا بجوار غرفته طوال مرضه، كيف له أن لا يفكر في الحياة التي تنتظره. 

بعد أجازة أسبوعين، حان وقت العودة إلى القاهرة. طبيعة عملها أجبرتها على الابتعاد عن موطنها، و الاستقرار مع زوجها في القاهرة. في كل مرة تسافر إلى الإسكندرية، تشعر بنفسها صبية من جديد، كم تمنت أن تنشأ ابنتها بين تلك البيوت و الشوارع القديمة، التي طالما احتضنت أطيافاً من المصريين. كم انزعجت بتلك "التطويرات" التي طالت محطة "سيدي جابر"، فتراها كارثة ضربت تاريخ المكان و شوهت صورتها. 

لم يكن القطار ممتعاً كتلك القطارات في قصص أمها، كما أن الرصيف مزدحم بأناس كثيرين. أفزعها شخص يقترب منهم، شدت ثوب أمها، و اختبأت خلفها. 
لم يعتد بعد على العكازين، كما لم يعتد على تلك النظرات المشفقة و همز الناس، كلما مر بجوارهم. لكن فتاة صغيرة لفتت نظره هو، كانت تبدو كمن رأى شعباً أمامه. 
- ماما الراجل الكداب بيقرب مننا. 
نظرت الأم بتعجب لابنتها، و رأت نظرة الرعب في عينيها، ثم نظرت إلى حيث أشارت ابنتها، إلى ذلك الشاب ذو الرجل المبتورة و العكازين، الذي انتبه لحوارهما في تعجب. 
- انتي ليه قولتي عليه كداب؟ 
- تيتا قالتلي إن "الكدب مالوش رجلين"، لما قرصت وداني. 
تعجبت الأم كيف تفكر طفلتها و تبسمت، و ضحك الشاب من براءة كلماتها. 


محمد طاهر أمين

2011/03/02

خريف.. و ربيع..

 
حبيبتي.. كيف سمحنا أن تُبعد بيننا المسافات.. هأنا أُمضي هذا الخريف بعيد عن عينيكِ.. كل ورقة تتساقط، تسرق من عمري لحظة أمل.. و تلك الأشجار بفروعها الجافة، تلاحمت معاً في أجمل قيثارة، لتعزف ألحانها الحزينة.. و تجمّع الضباب حولي ساخراً، و ضللت طريقي، لا أدري لأين..

 
حبيبي.. أشرقت شمس الربيع، و أنت في مهجرك.. أشرقت تنشر البهجة في كل مكان، و تتوقف عند داري و تعجز عن الدخول.. حتى أزهاره، و كم أهديتني منها، ذبلت بين يديَّ كلما لامست حزني.. و انتظرتك عند أرجوحتنا القديمة، لتقدم لي إكليل ورد بهجتنا، لكنك لم تأتي، و لم يأتي الربيع..

 
في هذا الضباب.. أُطالع هديتك الأولى لي، طائرك الورقي، و حروف "أُحبك" على أجنحته.. كم حلمت بهذا الطائر يحملني إليك، و ترافقيني على ظهره بعيداً عن هذا العالم.. و كم تألمت عندما أصحو فأجد "أُحبك" و لا أجدكِ.. 

 
أتدري حبيبي.. إحدى زهورك لم تذبل بعد، تلك التي أهديتني في شجارنا الأول.. كلما رأيتها، ضحكت، و تذكرت كيف كانت تافهة و مضحكة خلافتنا.. و لا تلبث أن تتحول تلك الضحكات لبكاء، فقد هجرتني مع أننا لم نفترق يوماً..

 
قادتني قدماي إلى شاطئ مهجور.. تخيلت أن أراكي بين الأمواج، و إن اختلفت شواطئنا.. كان الجو بارداً، و كأنه يمتص ما بي من حرارة حبنا، ليدفئ عشاقاً لم يمروا بعد من هنا.. و يتركني هنا وحيداً، بدونك..

 
كم بكى معي شاطئنا.. ذابت أحلامنا في مياهه، و تاهت عن رماله خُطانا.. لم ترحم الشمس حيرتي، و زادت أشعتها لوعة قلبي.. هبت نسمة خفيفة، و همس البحر في أذني، بأنك ستأتي يوماً.. بحثت عنك بين الأمواج، و لكنك لم تأتِ.. 



محمد طاهر أمين